الأربعاء، 5 سبتمبر 2012

مفاهيم في الشرعية السياسية .. معناها .. إسقاطها .. و بناؤها ج٢ (مصادر شرعية النظام و تفكيكها )


مفاهيم في الشرعية السياسية .. معناها .. إسقاطها .. و بناؤها ج٢ (مصادر شرعية النظام و تفكيكها )
 
ملاحظة 1 : هذا الجزء من التدوينة تحليلي بدرجة كبيرة لفترة سابقة قبل الثورة و الحرص على دراسته هو حرص لفهم مهم و ضروري في تشكيل الشرعية الجديدة .
ملاحظة 2 : قمت بعد كل تحليل لمصدر من مصادر الشرعية بذكر تفكيك جزء منه متصلا بالحديث و هذا معظمه معروف و متداول ، و لكن ذكرت مبادئ في تفكيك الشرعية بغض النظر عن نقاش تفصيلي لذلك تم في نهاية التدوينة و هو ما أظنه جديدا و هو ما أظنه ذا علاقة أكبر بموضوع المدونة في نقاش مصادر الشرعية ، تفصيل صغير : تفكيك الشرعية ليس دائما أمرا عقلانيا بل هو في الغالب ليس كذلك ! .
ملاحظة 3 : لا يدل الترتيب على الأهمية و لكن لأكون صريحا فالترتيب هنا عكسي فآخر مصادر الشرعية أهمها و أولها أقلها أهمية ( على الأقل بالنسبة لأسباب اندلاع الثورة ) .
يمكن تلخيص مصادر الشرعية للنظام السوري على النحو التالي :
أ- الخطاب المناصر للقضية الفلسطينية ( المقاومة و الممانعة ) : تمثل قضية فلسطين بالنسبة للعرب القضية المركزية الأولى ، غياب بعض هذه المظاهر في فترة الربيع العربي لا يعني شيئا فالقضية المركزية موجودة و من الطبيعي أن تتوارى بعض المظاهر في مثل أحداث هذه الأيام السريعة و المتوالية ، و لكن ما الذي قدمه النظام للقضية الفلسطينية و ما الذي يتغنى به ؟ نستطيع تلخيص ما فعل بالنقاط التالية :   
 
 
 
-تغطية الإعلام السوري للقضية الفلسطينية بشكل يومي و تقديم النظام لنفسه على أنه حامي قضية الفلسطينية و الصامد في وجه اسرائيل .
- غياب قوى أخرى على الساحة لتقدمة مثل هذا الدور ( ولو شكليا!) و خاصة بعد سقوط النظام الشبيه في العراق يزيد من شعبية النظام في هذه النقطة فهو "آخر الفرسان" و لا قضية لفلسطين من بعده . 
-تقديم حق اللجوء لمئات الآلاف من الفلسطينيين ( ما يقارب النصف مليون ) و احتواؤهم بما فيهم من كان موجودا في كنف النظام السابق في العراق و تقديم حقوق مواطنة كاملة له و تساويه بأبناء البلد .
-تقديم الدعم لحركات مقاومة الاحتلال " بشكل رئيسي : حزب الله في لبنان و حماس في فلسطين " و توفير ملجأ إقامة لهم في سوريا .
- الاحتلال الاسرائيلي للجولان .
و لكن ما صحة ما سبق ؟ هل كان الخطاب السابق خطابا صادقا ايديولوجيا أو حتى قوميا أو مصلحيا في توجهه ؟ أم كان خطابا براغماتيا استخداميا يهدف (لاستغلال) القضية الفلسطينية ، في اللقاء الأخير لبشار الأسد مع قناة الدنيا سئل الأسد عن أن طلقة واحدة لم تطلق على اسرائيل طوال أربعين عاما فأين هي المقاومة ؟ أجاب حينها بأنك لن تستطيع أن تجابه قوة خارجية دون ضمان أمنك الداخلي أولا ! و لو ربطنا الإجابة مع السؤال لوجدنا أن أربعين عاما لم تستطع ضمان الأمن الداخلي فهل ستستطيع أربعين عاما أخرى فعل ذلك ؟ صار البعبع الإسرائيلي و القضية الفلسطينية أداة مصلحية في كل شيء .. في التدخل في لبنان .. في القمع الداخلي و انعدام الحريات و أن (لا صوت يعلوا على صوت المعركة !)..في المتاجرة الدولية و الإقليمية و محاولة الإمساك بالورقة الفلسطينية ، يتذكر الفلسطينيون قارؤوا التاريخ بوضوح مأساة مخيم تل الزعتر في لبنان و المتسبب به و يتذكرون وقوف النظام حينها ضد الفلسطينيين و من ثم الانقلاب للوقوف معهم حينما تغيرت المصالح و فقط حين ذلك ، يتذكر الفلسطينيون أيضا إنشاء طلائع حرب التحرير الشعبية ( قوات الصاعقة ) و دفعها للقتال ضد منظمة التحرير في فترة من الفترات في لبنان و هي من عرفت بكونها تحت جناحه و تمتثل بأوامره فهل الدفع للاقتتال بين الفلسطينيين هو دعم للمقاومة ؟ و يتذكرون دعم حركات المنشقين في حركة فتح و منظمة التحرير حرصا على السيطرة عليها ، هل كان دعم حركة أمل و تسليحها في مواجهة حزب الله و الفلسطينيين ( 1985 – 1988 ) دعم للمقاومة ؟ يبدوا أن حسن نصر الله نسي تلك المعركة الآن .
نتذكر هنا أيضا ما حدث في مخيم اليرموك في الثاني عشر من شهر يوليو الفائت حينما أطلقت قوات النظام النار على المتظاهرين السلميين مما أدى إلى استشهاد ستة أشخاص و جرح العديدين و نتج عن ذلك هبة عارمة في المخيم يومي 12 و 13 من يوليو عبر فيها الفلسطينيون عن رفضهم لممارسات النظام و مساندتهم لمطالب الشعب السوري الثائر.
 



 
 
تصريح جهاد المقدسي المتحدث باسم الخارجية السورية و وصفه للفلسطينيين بأنهم ( ضيوف أساؤوا الأدب ) يثير العديد من علامات التعجب و يفضح ما يدعيه النظام عن كيفية معاملته للفلسطينيين و يفضح زيف ادعاءاته و هو ليس التصريح الأول لمسؤول في الدولة فتصريح بثينة شعبان سابقا اتهم الفلسطينيين في مخيم الرمل بأنهم وراء ما يجري في اللاذقية ( و أن ليس هناك ثورة و لا هم يحزنون ! ) ، تصريح آخر لرامي مخلوف في بداية الأحداث حذر فيه من أن تهديد النظام السوري يعني تهديد الاستقرار في الشرق الأوسط و من ضمنه استقرار ( اسرائيل !) .
 
 
 
لقد عانى الفلسطينيون كما عانى السوريون من مصادرة الحريات و الحقوق و امتهان الكرامة الإنسانية و الهيمنة و الوصاية المفروضة على الجميع .
 
ب -العلمانية :
يقول كارستين ويلاند في كتابه : سورية .. الإقتراع أم الرصاص ( و قد نشره في عام ٢٠٠٦ ! ) : " إن الخوف من الأسلمة بعد ثورة عنيفة من المحتمل أن يمولها المتشددون السعوديون بدولارات النفط يمثل ورقة رابحة بأيدي العلويين الحاكمين و مؤيديهم العلمانيين ، و تبقى مسألة ما إذا كان الخطر مبالغا فيه مسألة رأي و لكنه يظل مصدرا قويا لشرعية النظام ،ففي ضوء حقيقة أن المسلمين الراديكالين قد دعمتهم الولايات المتحدة في أماكن كثيرة لخدمة مصالحها الخاصة تبدو الحالة الراهنة في سوريا مقبولة جدا ،و ما من ثقة كبيرة بأي بديل قد تعينه الولايات المتحدة "
 
 ج - الأقليات الدينية و الإثنية :
يعيش في سوريا ما يزيد على العشرين ديانة و معتقدا مختلفا و على مدى قرون من التسامح المشترك ، تنتمي احدى عشرة منها الديانة المسيحية و من بينها : الروم الأرثودكس ، و الأرمن الأرثودكس و الروم الكاثوليك و السريان الكاثوليك و السريان الأرثودكس و الأرمن الكاثوليك و الموارنة و البروتستانيون و النسطوريون و اللاتين و الكلدانيون .
 تتعمد الحكومة أن لا تنشر إحصائيات رسمية عن التوزيع و التعداد الإثني و الديني للسكان و اكن التقديرات تذكر بأن نسبة السنة في البلاد تترواح بين ٧٠-٧٥٪ ، المسيحيون ١٠-١٥٪ ، العلويون ١٠٪ ، الدروز ٣٪ ، الإسماعيليون ١.٥٪ و أقلية شيعية صغيرة و عشرات أو بضع مئات من اليهود ، يتقاطع الإنتماء الديني مع التوزيع الإثني فتسعون بالمئة من السوريين هم من العرب يعيشون بسلام مع الأكراد و الأتراك (سنة غالبا) و الأرمن و الشراكسة و الآشوريين .
بالإمكان ذكر العديد من الأمور حول روعة التعايش السوري و إن كنت لا أجد كلمة التعايش مناسبة فقد تجاوزها السوريون إلى نسيان التكلف الذي يرافق ذكر مصطلح التعايش إلى معيشة و مصير مشترك لا يتكلف التعامل مع الآخر و لا يفكر فيه قبل فعله .
الحديث هنا عن شرعية النظام و هو يقدم نفسه كحامي للأقليات و متسامح معها .. الكنائس و المساجد تمنح حرية التوسع و تعفى من الضرائب على مشترياتها و يتم تعبيد الطرق المؤدية إليها ،القانون أيضا يجعل الجميع متساويين أمامه ، حقيقة ما حدث في العراق جعلت جاذبية سوريا في هذه الناحية أكثر تأكيدا ، ٢٥٠٠٠٠ مسيحي جاؤوا إلى سوريا في ٢٠٠٤ و ارتفع في بداية ٢٠٠٥ الى ٧٠٠٠٠٠ من كل المجموعات ، يقول صاحب مصنع فسيفساء مسيحي في باب توما : لقد أحضر العراقيون معهم أساليب الأعمال الفظة و السلوكيات المتهورة بعد عقود من الاضطهاد في ظل صدام حسين و كنتيجة لعقدة حماية النفس بعد غزو العراق .. و لدى سؤاله إن كان سعيدا لكون اللاجئين قد رفعوا عدد المسيحيين في سورية أجاب : "لا يهمني ما إذا كانوا مسيحيين أم لا ، هنا نحن الدمشقيين يثق كل منا بالآخر مسلمين و مسيحيين و يهودا أو أيا كان.. نحن نعرف أحدنا الآخر و يعرف كل منا عائلة الآخر .. نعيش معا و يتاجر كل منا مع الآخر ، أما العراقيون فهم مختلفون .."
 ما الذي فعله حامي الأقليات ؟ الأكراد كأقلية إثنية حرمت من الجنسية السورية و المسيحيون كأقلية دينية و الذين كانت نسبتهم 20% من السوريين عام 1920 و 14% عام 1960 صاروا بحدود 7% الآن و كل ذلك بسبب هذا الاقتصاد المتهالك أولا و انعدام الحرية ثانيا و الذي جعله النظام سواسية على الجميع : لا حرية لأحد ، لا إنكار هنا أن النظام حاول الاستفادة من الأقليات و لكن بقيت المراكز الحساسة في يده و باعتماد كامل على طائفته فيها بعد نجاحه في استمالتهم إليه بشكل عام و جعل المعركة بينه و بين الشعب على جبهة واحدة معهم بأن أقنعهم أنه هو و هم شيء واحد و أن معركته الوجودية هي معركتهم الوجودية أيضا  ،كيف نجح بذلك ليس مهما الآن لقد نجح بذلك عبر العديد من الأمور و لكن المهم أنه نجح ، يقول أمين معلوف : إن شعور الخوف أو التوجس لا يخضع دائما للاعتبارات العقلانية إذ يحدث أن يكون مبالغا فيه و حتى زوريا .. و لكن منذ اللحظة التي تشعر فيها مجموعة سكانية بالخوف تصبح حقيقة الخوف هي ما يجب أخذه بعين الاعتبار و ليس حقيقة التهديد ! ) ، و هنا يجب أن نلحظ أن النظام صار نظاما طائفيا بفعله ذاك ، يقول ياسين الحاج صالح : ( ما المقصود بالنظام الطائفي ؟ نحن نصف النظام بأنه طائفي حين : 1- يعتمد في عملية إنتاج ذاته على إعادة إنتاج موسعة للتمايزات الطائفية .. 2- و تتفاوت عتبات تماهي السكان فيه تفاوتا يحيل إلى التمايزات الدينية و المذهبية فيه .. 3- و تتوافق بنيته أو الممارسات الصريحة لنخبة السلطة مع تنامي الوعي الذاتي الطائفي لدى الجميع و تراجع الوعي الوطني و الرابطة الوطنية ) و كل ما سبق وجد في عهد نظام الأسد .. الأب و الابن .
و يقول أيضا : ( ليس النظام الطائفي إذا نظام طائفة أو نظام راعي لمصالحها بل الذي يتوسل الطائفية أداة للحكم و يجد في ترسيخ الانقسامات الطائفية مصلحة جوهرية له ).
 
ينبغي أن نشير هنا أن النظام يحاول استغلال أي فعل طائفي حتى لو كان ردة فعل من قبل الثوار ، لا اتهام للثورة هنا فالفعل الطائفي الممنهج و كاستراتيجية كان من قبل النظام و هو ما سمح بل و شجع على فعل طائفي مناهض ، لكن ما أريد قوله هو أن لا نمنحه تلك الحجة التي يستطيع بها تبرير استبداده أو يستطيع بها طرح ذلك كمصدر شرعي لإيقاف الفوضى الطائفية أمام الدول الأخرى و المجتمع الدولي ، الثورة بقيت واعية لذلك طوال عام و نصف و وجود جهد المخلصين سيمنحها عدم الوقوع في ذلك مستقبلا و إلا لبقي له هذا المصدر للشرعية .


 
 
د - الأمن و الأمان :
 فوضى عارمة في العراق و انقسامات مخيفة في لبنان تظهر هذه النقطة بصورة أوضح .. عنصر استخبارات ( موظف و ليس متعاون أو مخبر ) لكل ١٥٣ مواطنا فوق سن الخامسة عشرة في نسبة من أعلى النسب في العالم و ١٧ عشر جهاز مخابرات تجعل سوريا دولة أمنية بامتياز .. هناك تفاخر بهذه النقطة من قبل النظام ( و محاولة استغلالها للتخويف من الفوضى - تفصل لاحقا- ) و هناك ربما إجماع هنا من السوريين قبل الثورة على ذلك ، أو أن يخرج الجميع ليلا دون الخوف من التعرض لأذى .. أن تبقى نوافذ السيارة نصف مفتوحة في الصيف أمثلة قد يعطيك إياها السوريون للتدليل على الأمان عندهم ، يقول مواطن " ليس هناك حاجة إلى الشرطة .. هناك شرطي خفي في داخل كل منا " مشيرا إلى تواجد الاستخبارات اللانهائي بين أفراد الشعب.
إن تواجد العصابات و تهريب المخدرات أو السلاح موجود طبعا و خاصة في حلب العاصمة التجارية و لكن معدل الجرائم منخفض بشكل عام إن نظرنا إليه تصنيفا .
هل الكلام السابق صحيح ؟
بالطبع هو صحيح إن نظرنا إليه مجردا .. و لكن كيف يمكن تقبل ذلك و لا يوجد إحصائيات رسمية تظهرها الدولة و لا يعرض شيء في الإعلام ، هل يمكن نسبة الأمان فقط إلى آلة النظام الأمنية فقط دون اعتبار للتقاليد التي لا تزال قائمة في المجتمع أو لنظام القيم القائم .
يقول صديق ( قبل الثورة ) : اذهب إلى أي مكان تتواجد فيه عصابات تابعة للنظام ( لم يكن هذا الصديق يعرف مصطلح الشبيحة و قد ارتبط اسمهم باستخدام سيارات المرسيدس – الشبح كما يعرفها السوريون – لارتكاب أعمالهم الإجرامية ) و قد تخرج من سيارتك و تؤخذ و يمكنك أن تحلم باستعادتها .

يقول كارستين ويلاند  (في ٢٠٠٦ ! ) : " تطورات مقلقة طرأت أخيرا ربما تزعزع هذا الجانب من مصادر شرعية النظام .. مجموعات شبيهة بالميليشيا تجوب الشوارع و تنهال بالضرب على شخصيات المعارضة و ناشطي حقوق الإنسان خلال التظاهرات ، و أحيانا بوحشية أكبر من الشرطة أو الاستخبارات .. ترسل هذه العصابات من قطاع الطرق في الحافلات من فروع عائلات النخب الحاكمة المحيطة بالرئيس ، و التي لديها الكثير لتخسره في حال حدوث تغيير سياسي ،و تخلق مثل هذه الحوادث خوفا متناميا في صفوف الشعب " . يبدوا أن ما سبق وصف ( بأثر رجعي ) للشبيحة !.
 سؤال آخر يجتذبني هنا : إذا كان نقيض الأمان هو الشعور بالخوف المستمر فهل يمكن تسمية ما يعيشه السوريون أمانا ؟ مصطلح ( الحيطان لها آذان ) الذي يقوله السوريون لبعضهم حتى و هم في منازلهم ألا ينفي الأمان المزعوم ؟ و خوفك على وظيفتك لأن أي شخص "واصل" يمكنه إخراجك منها بكلمة أيعد أمانا ؟
( سرقة شركة الهرم في وضح النهار من قبل عصابات الشبيحة بقيادة نمير الأسد في 2005 )
 
 
هـ - شرعية الحكم (الفوضى ) :
رغم غرابة هذا المصدر باتخاذ مجرد الحكم مصدرا للشرعية إلا أنه واقع يتصرف البشر من خلاله و قد أوضحته بمصطلح الفوضى لأنها الوجه الآخر منه ، إن وجود نظام مهما كان سوؤه يعني أن هناك من سييسر أمور الناس و ينظم أمورهم و يحكمهم ، يعي الطغاة ذلك و يستغلونه و يظهرون أن بديلهم هو الفوضى و ليس نظاما آخر ، التشديد من قبل الثوار على أن يكون بديل النظام هو الديمقراطية أمر ضروري لأن الديمقراطية نظام و هي ليست فوضى ، تبقى مشكلة العديد من الثورات فكرة إيجاد البديل للنظام و أنا أعني هنا مصطلح النظام كحاكم يحكم بين الناس و ينظم أمورهم ، الخوف من غياب الأمان و الفوضى مصدر غير مباشر للشرعية يستغله جميع الطغاة لتبرير استبدادهم .. الجملة التي يعبر عنها بعض الفقهاء بالفتنة بقولهم ( حكم ظلوم و لا فتنة تدوم ) هي مبرر الاستبداد الأول،الجملة التي يصر إعلام النظام و أتباعه على ذكرها بقولهم "هي الحرية يلي بدكن ياها ؟!" ليست عبثية .. هي جملة متعمدة تربط الحرية بالفوضى و تطلب من الاستبداد أن يأتي لينهيها .

الفوضى في العراق كانت و مازالت نموذجا لتخويف السوريين .. الانتصار السهل للأمريكان كان مخيفا للنظام في البداية غير أن الفوضى اللاحقة (و التي شارك النظام السوري في صنعها !) و الفضائح الأخلاقية المتوالية لأمريكا هناك ( أبو غريب و غيرها ) كانت وقودا استغله النظام جيدا .. هل تريدون العراق أو لبنان أو الجزائر ؟ هذا ما كان يردده النظام .
ملاحظة مهمة هنا أن النموذج الليبي كان أيضا نموذجا تخويفيا من قبل النظام غير أن حسن سير الليبيين جعل هذا النموذج ذا أثر عكسي و جعل الترغيب فيه من قبل السوريين نموذجا محفزا مع بقاء ما يذكره كلا الطرفان من ذلك النموذج فقد يصر إعلام النظام على ذكر بعض مظاهر للفوضى في ليبيا و لكنه يقع في حرج حينما يعلم أن ذلك النموذج نجح في إسقاط النظام أولا و آخرا و نجح أيضا في نقل سلمي للسلطة بل و بتقدم لليبراليين لم يكن متوقعا .
 
و- بشار :
الطبيب الشاب أزرق العيون المثقف المتحدث و المتواضع كما ينشر عنه و يشاع .. نجح طوال سنين حكمه السابقة و خاصة الأولى منها في نشر هذه الصورة التي تجعله خارجا عن كل نقد و جعل السوء كاملا في بطانته و من حوله ( ما زال إلى اليوم بعض المؤيدين يقولون ذلك ) .. وقدم نفسه على أنه الأمل الإصلاحي و التحديثي الوحيد لهذا النظام ، بشار الذي أدخل الانترنت و الهواتف النقالة و سمح بالتلفاز الفضائي ! ( يمكنكم تخيل أي حياة عاشها السوريون في ظل هذا النظام !! ) .. ربما تكون صورة والده سابقا "الإله الخفي" الذي يراقب الجميع و الذي لا يرونه إلا نادرا قد ساعدته في ذلك .
لكن ما الذي حدث : مرت عشر سنوات أثبتت كذب الادعاءات السابقة بل صار ارتباط بشار بحال ازداد سوءا للكثيرين ( يفصل لاحقا ) ، ما الذي حدث بعد الثورة ؟ الطبيب المثقف تجاهل الناس تماما .. خطابه الأول كسر الجزء الأكبر من شرعيته .. ضحك على الدماء .. تجاهل لكل شيء بنرجسية عجيبة .. كتحليل شخصي أرى أن سقف التوقعات الذي وضعه الشعب بعد خطاب بثينة شعبان و بعد الدماء التي سالت في درعا ( رفع حالة الطوارئ- لم يحدث إلا بعد وقت طويل من ذلك و بشكل أصله قانونا ! -، ترحم على الشهداء ، الاعتراف بهم ) و الذي كسره بشار تماما في خطابه حطم هذه الصورة بشكل أولي ، اكتفيت بالخطاب لأنه كان الصورة المباشرة لتحطيم صورة الرئيس ، استخدام العنف هو الوسيلة التي حطمت كل شيء فيما بعد في هذا النظام و منها صورة الرئيس .
ز- التوازن الاجتماعي :

نشأ في الماضي هوة بين الفقراء و الأغنياء لكنها بقيت مقبولة نوعا ما ، الطبقة الريفية كانت فقيرة لكنها لم تمت من الجوع ، فقد قام حافظ الأسد بدعم السلع الأساسية و المحروقات و قام بشراء بعض المحاصيل الزراعية ( الاستراتيجية ) من المزارعين ، حافظ أيضا لم يسمح بنشوء طبقة ذات ثراء فاحش بالمليارات ، لم تعترف سوريا أيضا بالقوانين الدولية للحقوق الفكرية مما جعل بعض السلع في متناول المواطن العادي ، ما الذي حدث بعد ذلك و في عهد بشار الرئيس المتفتح ؟ قام ما يسمى باقتصاد السوق الاجتماعي في محاولة فاشلة لتقليد الصين فرفع الدعم المذكور سابقا دون إيجاد بديل مناسب كالاستثمارات أو غيرها ( في تشرين الأول عام 2004 ارتفع سعر المازوت 45% و في 2006 ارتفع البنزين بنسبة 25% ، ارتفعت الأسعار أيضا بنسب تضخم عالية لم يعتد عليها السوريين قبلا- 4.8% في 2003 و 20% عام 2004 -)، هناك أيضا قرارات و علاقات غير متوازنة أساءت لتلك الفئة كعلاقات التجارة غير المنضبطة مع تركيا و التي أثرت على العديد منهم ، نشأ أيضا طبقة جديدة في المجتمع السوري لم تكن موجودة سابقا كما ذكرنا ( خمسة بالمئة من السكان يمتلكون خمسين بالمئة من الثروة الوطنية )، تلك الطبقة ذات الثراء الفاحش و المنتفعة بشدة من علاقتها مع النظام ممثلة برموز أشهرهم رامي مخلوف ابن خال الرئيس و الذي صار نصف اقتصاد البلد و يزيد في متناول يديه ، المشكلة هنا أنك حينما تمتلك ما يمتلكه ألف شخص ستصرف كمئة و سيضيع الباقي و لن يصل لمن يحتاجه ، نشوء هذه الطبقة صار وجود كمن يمتلك ما يمتلكه مليون شخص و بمصروف يساوي مئة شخص أيضا مما يعني مزيدا من الحرمان للناس ، و هو أمر يعني مزيدا من النقمة منهم و يعني مزيدا من مظاهر البذخ و الترف و الذي سيزيد نقمتهم ، هنا خسر النظام قاعدته الريفية و التي حملت نظامه سياسيا لمدة أربعين عاما و هنا فكك النظام نفسه بنفسه و دفعهم دفعا لأن يثوروا عليه (تشير التقديرات قبل الثورة أن 11-30 % من السوريين تحت خط الفقر معظمهم من الريف السوري و أن هناك مئة ألف سوري تقوم المؤسسات الدولية بإرسال مساعدات لهم ) .


 
يقول عزمي بشارة : ( ما زال صحيحا بالنسبة إلى الكثير من الحالات التي تنبع فيها شرعية الاستبداد من توفير الظروف الاجتماعية المتساوية للناس ، و هذه المساواة غالبا ما تقوم على المساواة في الفقر أو على درجة أعلى قليلا من الفقر ، و ما زال ضمان حاجاتهم الأساسية أحد أهم أسباب بقاء الاستبداد ، كما أن فقدان مصدر الشرعية هذا عبر الإفقار بواسطة اللبرلة الإقتصادية مثلا من دون الاستعاضة عنه بمصادر أخرى مثل الشرعية الديمقراطية هو من الأسباب التي تمهد للثورة على الاستبداد ) .
 
مبادئ عامة في تفكيك الشرعية :
1-      لا يرتبط دائما تفكيك الشرعية بالحديث المباشر حول ذلك المصدر بل قد ينشأ تفكيكه من وجود مصدر شرعية آخر لطرف مقابل ، إن مبادئ كالوقوف مع المظلوم ضد الظالم قد يجعل صاحبها تقوم بذلك حتى لو امتلك ذلك الظالم مصدر شرعية يعد مقبولا بالنسبة لصاحب تلك المبادئ .
 
2-      إن النظم العربية أو الشمولية بشكل عام و النظام بسوري بشكل خاص يقوم على أكثر من مصدر للشرعية و لكن ذلك يكون عبر استثمار و استغلال كل مصدر للشرعية حسب الظروف السياسية أو الإقليمية المحيطة و الملائمة و بما يتناسب مع البيئة الإعلامية لذلك الظرف ، هذا الاستخدام البراغماتي يظهر زيف تلك المصادر و يلجئ صاحبها للعنف بصورة مستمرة كدلالة على اهتراء الشرعية حيث يتم ترجمة العنف سياسيا بأنه : ( اللغة غير الشرعية التي يستخدمها النظام السياسي لإعادة الشرعية له ) ، هنا يصبح العنف غير المبرر إعلانا لإسقاط الشرعية فالدولة التي يحق لها استخدام العنف باتت تستخدمه في أمور لا يحق لها استخدامها فيها مما ينفي عنها صفة الدولة و يسقط عنها شرعيتها القائمة.
3-      اليأس معامل الثورات : تبقى هذه الجملة المبدأ الأكثر أهمية في تفسير الثورات و في إسقاط الشرعية ، يقول عزمي بشارة – بتصرف - : ( قد لا تثور الشعوب حتى و لو امتلكت الأسباب الكافية لذلك و لكنها إن فعلت فهذا يعني أنها تمتلك ما يكفي من الأسباب ) ، إن الشعوب نوعا ما تمتلك في وعيها و لا وعيها العديد من الأسباب التي تمنعها من أن تثور لذلك هي حينما تفعل ذلك فهذا يعني أنها لم تعد تجد بديلا و أن اليأس بلغ بها مبلغه .
إن عشر سنوات من الوعود بالإصلاح بعد انبعاث الأمل في القائد الجديد و المتفتح الذهن ذهبت أدراج الرياح و ربيع دمشق (2001 ) كان مصير أصحابه الاعتقال و الملاحقة ، كل ذلك ساهم في خلق اليأس و الذي بدوره أسقط الشرعية و صنع الثورة ، يقول عزمي بشارة : ( إن الخروج على الشرعية القائمة يتم طلبا لتحقيق حق ما عاد تحقيقه ممكنا في ظل النظام القائم ،أو لدفع ظلم ما عاد دفعه ممكنا ضمن هذا النظام و بالأدوات التي يتيحها ) .


 
 
 
المراجع :
 
سوريا ..الاقتراع أم الرصاص ؟ الديمقراطية و الإسلامية و العلمانية في المشرق - كارستين ويلاند ،رياض الريس
 
تحديات الإصلاح في العالم العربي - رضوان زيادة ، مركز الراية للتنمية الفكرية
 
في الثورة و القابلية للثورة - عزمي بشارة ، المركز العربي للدراسات
 
اختلال العالم - أمين معلوف ، دار الفارابي
 
مجموعة من المقالات ( ميشيل كيلو - ياسين الحاج صالح - عزمي بشارة - ماجد كيالي )
 
حسام حداد https://twitter.com/hogo900
 


الخميس، 16 أغسطس 2012

المآلات الاستراتيجية للنزاعات الانقسامية - د.جاسم سلطان ( تلخيص )


المآلات الاستراتيجية للنزاعات الانقسامية - د.جاسم سلطان ( تلخيص )

ملاحظات قبل بدء التلخيص :

- وقعت على هذه المحاضرة القيمة للدكتور جاسم سلطان بالصدفة و عن طريق شريط الارتباطات في اليوتيوب related videos فجزاه الله خيرا ! .

- لا أنكر أن إسقاط حديث الدكتور على الحالة السورية و الحالة اللبنانية بالذات هو ما رافقني طوال سماع المحاضرة و هو ما دفعني لتلخيصها للفهم أولا و لكي نستفيد من الحلول المقترحة ثانيا .

- رغم أن الحديث ينصب على النزعات الانقسامية إلا أن غالب الحديث يمكن إيجاده على أي أزمة و على أي صراع و هو ما كان الدكتور يذكره أحيانا بمصطلح الأزمة و ما كان واضحا من خلال الأمثلة المطروحة .. الانقسام هو النتيجة النهائية و قبله يمكن إيجاد مشتركات كثيرة بين أي أزمة.

- قد تتعجبون من دقة المسار الذي سرنا به و نسير بحسب هذه المحاضرة (القرارات الخاطئة ، استدعاء الآخر ،لغة الاستعداء ...) و لكن كانت الحالة اللبنانية مثالا واضحا أيضا و لكن متأزم بشدة للأسف .
- لا أقول هنا أن مصيرنا الانقسام فسياق أزمتنا مختلف و هو في سياق الثورة طلبا للحرية و الكرامة و هذا بالضبط لماذا يجب أن تظل كذلك .

- رابط المحاضرة في آخر التدوينة و هي في خمسين دقيقة و أرجو أن تكون قراءتها لا تتجاوز الخمس عشرة دقيقة و بذات الفائدة .

- لا تستعجل البداية فالمحاضرة تدريجية و تبني الأفكار بناء على أفكار يتم توضيحها سابقا لذلك قراءتها حتى آخرها مهم .

بسم الله :


- يقرر القرآن حقيقة بقوله :( ولا يزالون مختلفين ) .. فالاختلاف سنة من سنن الحياة و هم يختلفون ليتكاملوا .

- و يقرر ( و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ) .. يكثر الحديث في كتب التفسير عن المقصود بالآية بمعنى التعريف الشخصي و بشرح الفرق بين الشعوب و القبائل ، في حين أنه من خلال المعرفة الإنسانية الحديثة فالآية تفتح آفاقا أوسع لتبين لنا إمكانية جعل هذا التكامل ممكنا بين المختلفين في ضوء الحقيقة السابقة .. لذلك يفترض بهذا التنوع (ديني..عرقي..مصلحي) أن يكون إغناء للمحصلة المعرفية للبشرية و لا يكون وسيلة لإدارة الصراع بمعنى البحث عن المختلف.

- يقرر القرآن أيضا أن بين هذه الأمم أمم بها تجانس ( إن هذه أمتكم أمة واحدة ) .

- العالم الذي نعيشه اليوم هو في النهاية نتاج للتطور الغربي شئنا أم أبينا .

-العالم الغربي سابقا قد عرف الحكم الرعوي : أن يكون هناك راعي و رعية يخضعون له .. مهما كان حجم التنوع بينهم ، و في نهاية القرن الثامن عشر برزت فكرة استحقاق كل شعب الحصول على دولة و أرض .. و الشعب هنا : مجموعة من الناس يمتلكون مشاعر و أحلام و لغة و رغبة في العيش المشترك ، فإذا وجد هذا الشعب استحق الحصول على أرض و وطن و على هذا الأساس بني المشروع الصهيوني .. هذا المفهوم لم يكن موجودا في السابق كأساس لقيام الدول حيث كان هناك المفهوم الرعوي (الإخضاعي) .. و المفهوم الذي شرحناه سابقا "اختياري" و تأسست الدولة الحديثة بناء عليه ، هذا الأساس تنظيري في الواقع .. الولايات المتحدة مثال على قيام دولة حديثة وفق هذا المبدأ .. أعراق و لغات و اختلافات كثيرة جمع بينهم الرغبة في العيش المشترك و بالتالي صارت هذه الأرض ملكهم و لها إطار سيادي .. و لكن لم يحدث استفتاء شعبي مثلا حول هذه الرغبة في ذلك .
-وجود الاستعمار فرض أيضا هذا التصور حيث اعتبر أن كل دولة سيخرج منها سيحولها إلى دول وفق هذا الاعتبار ( وجود رغبة في العيش المشترك ) .. و هذا أيضا لم يكن واقعا حيث أن تقسيم الدول المستعمرة كان "افتراضيا" حول وجود رغبة لهذه الشعوب في العيش المشترك .

-ولدت لدينا الدولة القطرية المعاصرة في ظل قضيتين : تحول الطريقة في إنشاء الدول من الطريقة الرعوية إلى الطريقة الاختيارية وفق مفهوم العيش المشترك .. و هذا تغير ضخم لم يدخل بوضوح إلى الفضاء الإسلامي بشكل واضح حتى الآن حيث أننا ما زلنا نعيش وفق مفهوم الرعية بشكل من الأشكال و ليس طريقة التراضي ،، و هذا التغير أدى إلى تغير آخر حول وجود مفهوم معين من التعاقد .. بالاضافة إلى وجود تحولات جديدة فيما يسمى السياسة الدولية و التي صنعها المنتصر و وضع قواعدها وفق ما يسمى عصبة الأمم أو الأمم المتحدة و صار يضيف للتعريف السابق أن يكون لدى هذا الشعب مشاعر و أحلام و لغة و رغبة في العيش المشترك في ظل احترام قوانين و قواعد السياسة الدولية تراعي سيادة هذه الدولة .. الخليط السابق أوجد مفهوم الدولة المعاصرة و أوجد للدولة المعاصرة نمطا معينا في التفكير .. لا أعني بالدولة المعاصرة مجموع ما تحتويه من أفراد و إنما نمط معين في طريقة التفكير في إدارة نظام الحكم : فالحكومة ما دامت مسؤولة عن إدارة هذا الشعب الذي يرغب في العيش المشترك فهي بالتالي مسؤولة عن ثلاثة أمور :١-المحافظة على الوجود ،٢-الاستقرار ،٣- التنمية .

١-المحافظة على الوجود : أن تحافظ الدولة على إرادة هذا الشعب بالاستقلال و أن لا تزول هذه الدولة مهما بلغ عدد سكانها .

٢- المحافظة على الاستقرار : أن تسعى باستمرار للاستقرار كمقدمة للتنمية .. و بما أن العقد مشترك و قائم على (التراضي) فالدولة مسؤولة من ضمن الاستقرار على التراضي العام بين أفراد الشعب .

٣-التنمية .
و لكن في ظل حقيقة قررناها منذ بداية الحديث "و لا يزالون مختلفين" بأن الاختلاف سنة في الخليقة .

الخلاف لا يؤدي بالضرورة إلى الانقسام و لكن هناك خطوط انقسام "محتملة" .. تكوينية .. قد يولد الانسان بها و لا يختارها و هذه الخطوط تمثل تحدي لما يسمى بالرغبة في العيش المشترك و التي تأسست الدولة الحديثة بناء عليها : هناك مثلا :
- العرق : عرب .. أكراد .. أمازيغ .
-الدين : مسلم .. مسيحي.. يهودي .. بوذي ... .
- المذهب : سنة .. شيعة .. إباضية .. كاثوليك .. أرثودكس ... .( لبنان مثالا)
-القطرية: مصر .. قطر .. السودان ( تمثل خطوط انقسام أمام الوحدة المفترضة مثلا للوطن العربي)
- الحزبية : ( و هذه خطوط انقسام أضيق ) .. الحزب "نظريا": تكوينات لمساعدة المجتمع على التعبير عن الاختلاف في ظل الوحدة .. ( لتقديم وجهات نظرهم حول الكيفية الأنسب لتحقيق الوجود و الاستقرار و التنمية ) .. مثال : السودان .. فلسطين ( فتح -حماس)


جميع الخطوط الانقسامية السابقة هي خطوط انقسام محتملة و لا تؤدي بالضرورة إليه و لكنها تحدث خطوطا في المجتمع تمر عليه شروط السياسة و الاقتصاد قد تودي بها لتصبح خطوط انقسام فعلية .. إذا نستطيع أن نقول أن هذه الخطوط موجودة في كل المجتمعات فقد يحولها مجتمع ما إلى خطوط حقيقية و قد يحولها إلى خطوط التقاء و تعاون .


* ما الذي يحدث عندما تمر يد القرارات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية على خطوط الانقسام ؟
إذا مرت قرارات سياسية و اقتصادية و اجتماعية خاطئة في لحظة تاريخية معينة على خطوط الانقسام فإنها تحدث مطالب لأطراف الانقسام و يصبح لدينا "حركة مطلبية" قد تكون خافتة أو شديدة ، ناطقة أو صارخة !
( خطوط انقسام محتملة + قرارات خاطئة = حركة انقسام مطلبية )
حينما يحدث ذلك يتولد عادة نوع من المخاوف من حدوث الانقسام الحقيقي من الأكثرية .. و ردة الفعل الطبيعية هنا مزيد من التضييق .. قد تستخدم هنا القوة لفرض القرارات السياسية و الاقتصادية الخاطئة كحل سهل الاستخدام للوهلة الأولى فيبدو كأنه حل ! .. و لكي تستخدم القوة فإنها تحتاج لمبرر لذلك ( م:تحتاج لشرعية : راجع تدوينة الشرعية السياسية).. فتنشأ لغة استعداء قد تتهم هذه الجهات بمختلف أنواع التهم حتى و لو كانت بعيدة جدا عن مطالبها..بالضرورة ستكون لغة الاستعداء فيها انتقاص كبير من الطرف الآخر (نوع اللغة،التوصيف،المعاني...) فتنتقل المسألة من مكون ما هو محتمل إلى مكون ما هو قائم .. و قد تتطور إلى اقتتال بين الطرفين و دماء تسفك و هو ما يؤدي إلى استدعاء الآخر .. يقوم الطرف الأضعف باستدعاء الآخر لنجدته بصورة من الصور .

قد يحدث ما سبق بشكل حاد لفترة زمنية معينة .. و الأخطر منه أن تتحول هذه الحالة إلى حالة مزمنة .. فما الذي يحدث حينما تتحول إلى هذه الحالة المزمنة ؟ :
نقول هنا أن الانقسام لا يصبح فقط حالة غاضبة لمطالب معينة بل يكتسب جسما معرفيا ( عقائد .. مسلمات .. مفاهيم .. ثم يكتسب لغة تعبيرية : شعر .. أدب .. نصوص .. تراث قصصي .. رمزية بالمناسبات و غيرها ) كوسائل لتخزين و أزمنة المشكلة .. هذا الجسم المعرفي يخلق مشاعر و أحاسيس ( الخوف .. الغضب .. الكراهية ) فتصبح هذه المشاعر متلازمة مع نوع اللغة التعبيرية التي تستخدم .. و هو ما يؤدي إلى حالة أخرى هي "القابلية للتوريث " فلا يعود النزاع مرتبطا بزمن معين بل له القابلية للتكرار .
هذا الجسم المعرفي لا يصبح حكرا على طرف من الأطراف بل تصبح جميعها تمارسه و تمتلكه بكل ما فيه من مشاعر و لغة و شعر و رموز و قابلية التوريث ... و يصبح أشبه ما يكون مكتوبا بالحبر السري في اللاوعي ..حينما تستخدم كلمة معينة تستدعى مشاعر معينة و تستنفر طاقات سالبة معينة .. يصبح المشهد هنا عبارة عن قنابل موقوتة لا تهدأ حينا حتى يأتي قرار ما لتنفجر أحدها مرة أخرى.
قلنا منذ البداية أن الاختلاف طبيعة بشرية و أن محاولة إلغاء الخلاف و خطوطه مسألة مستحيلة .. يظن البعض أنه يمكن إلغاؤها بالدين مثلا و هذا غير صحيح .. قد يلطف منها و يهدئها و لكن بشروط موضوعية متعلقة بعدالة السياسات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية ، مثلا لا يمكن القول أن مجرد كون العربي و الكردي و الأمازيغي مسلمين أمر كافي لعدم حدوث خلاف إذا لم تكن السياسات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية عادلة للأطراف جميعها ، فقط حينها يصبح الدين عاملا مهدئا و ملطفا و مجمعا .


* ما هي المآلات المحتملة لهذا النوع من النزاعات ؟
١- أن تجد هذه النزاعات حلا عادلا : و هو الأصعب و لو حتى على مدى زمني معين .. و بالتالي تعود خطوط الانقسام إلى حالتها المحتملة و يتم ردم الفجوة التي حدثت .
٢- توقف الاستقرار و التنمية : و ذلك إذا حصل الفشل في إيجاد حل عادل .. و هذا التوقف يفاقم بالتالي من الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية و قد تتفاقم إلى ..
٣- تهديد الوجود : و يؤدي إلى تفتت الدولة و انقسامها .


* كيف يمكننا الوصول إلى حل عادل ؟
و ليس بالضرورة الوصول إلى حالة الرضا فقد يستمر الشعور بالظلم أو الغبن قلبيا و لكن الوصول على أقل تقدير إلى حالة القبول ، و لكي يتحقق هذا سنحتاج العمل على محورين :
١- الخط البنيوي طويل المدى .
٢- الخط قصير المدى ( إطفاء الحرائق ) .


- الخط البنيوي طويل المدى يقوم على ثلاثة أمور :
١- آليات حفر معرفي : عبر مراجعات فكرية عميقة للجسم المعرفي و اللغة و المشاعر المكتنزة داخل النزاع و أطرافه .. لكي نستطيع بناء آلية تفكيك و توافق ( استبدال اللغة و تفكيك الجسم المعرفي ) فلا يصبح الجسم المعرفي مؤثرا على عقلية الجيل القادم حيث أنه حينما ينشأ عليها يصبح من الصعب انتزاعها و لا يصبح لدينا مصانع للأزمة تصنعها قبل سنوات من حدوثها لا تحتاج حينها إلا إلى شرارة لاندلاعها .
٢- دولة المواطنة الحقة : في الدولة الحديثة و التي تقوم على الرغبة في العيش المشترك لا على الرعوية " يصبح الكفاح من أجل دولة "المواطنة" هو الضمان الحقيقي للرغبة في العيش المشترك " و إلا يصبح العمل على خطوط الانقسام سهلا و قد يؤدي إلى تفتيت الوحدات السياسية .
 في دولة المواطنة الاختلاف يجد آلية لتقنينه و تصريفه بمعنى أنه يجد آلية للتعبير عنه و آلية للاستجابة له تحفظ العيش المشترك .( ويلز مثلا في بريطانيا تمتلك محطة تلفزيونية بلغتها الويلشية و محطة إذاعية كذلك .. تعلم لغتها كلغة ثانية .. المراسلات الرسمية ببلدهم تتم بلغتهم ، هذه الأمور و هذا الاعتراف يقوم بتصريف الخلاف ، يمتلكون هم حزبا وطنيا يطالب بالانفصال و لكن بمقابل كتلة كبيرة ترفضه ) .
٣- بناء مجتمع مدني قوي : فحينما يكون المجتمع المدني هش تصبح الدولة و الأقليات هم من يديرون المجتمع عبر الصراع بين الفعل و رد الفعل .. في حين وجود مجتمع مدني قوي تنحاز الكتلة المدنية الغالبة إلى المطالب العادلة حتى لو كانت للأقليات .. و لا يصبح حينها الصراع بين طرفين أحدهما يشعر بالظلم أو ما يشعر أنه ظلم و طرف يمتلك القوة و البطش بل يتدخل المجتمع المدني لإيجاد الحاضن المشترك للمجتمع .
الأمور الثلاث السابقة هي الضمانات الكبرى للرغبة في العيش المشترك .
و حتى حين تأسيس المحاور الثلاث السابقة المضنية و التي تحتاج إلى عمل مجهد و طويل فإننا نمتلك مسارا متفجرا للأزمة و نحتاج لآلية تعاطي معه و إيقافه ( إطفاء الحرائق ) و ذلك عبر:
١- إيجاد آلية رصد للتوترات : نتوقع فيها و نقيس درجة التوتر و الاحتقان في بيئة ما .
٢- جسم للعقلاء و الحكماء : كبديل للمجتمع المدني القوي إلى أن يتكون .. يكون هذا الجسم من الأطراف جميعها و يعمل كمصرف للخلافات و للتحكيم فيها .
٣- وضع آليات للتعامل المباشر مع الأزمة و الضغط على أطرافها في حالة حدوثها ، الضغط على "صناع" الأزمة هنا هو الأهم فغالب الناس لا يكونون كذلك بل مجرد وقود لها .. و كما يقول محمد رشيد رضا :( نتعاون فيما اتفقنا عليه و يعذر بعضنا بعضا في ما اختلفنا فيه " و أن يلجم كل منا سفهاءه ") فهم غالبا من يفاقمون الأزمة و إذا حدث ذلك في لحظة تاريخية معينة قد يؤدي إلى انقسام حقيقي و تفتت داخل المجتمع .
١٦/٨/٢٠١٢

السبت، 4 أغسطس 2012

في العجز و الكسل !


يقوم كل عمل حتى ينجز على ركيزتين أساسيتين : الرغبة و القدرة .. و في غياب أحدهما يصبح العمل مستحيل الوقوع أو إن وقع صار مشوها لا يستطيع أداء المطلوب منه .. و في استعاذة النبي -عليه الصلاة و السلام- من العجز و الكسل معنى مشابه .. فأما الأول فذو رغبة بغير قدرة و أما الثاني فذو قدرة بلا رغبة .. يقف العاجز متحسرا و الغصة تملأ حلقه متألما على ما لا يستطيع القيام به .. المؤلم أكثر أن يكون ممتلكا للحلول عاجزا عن تطبيقها أو منعه غيره من تطبيقها .. بينما يقف الكسول عاجزا أيضا و لكن سوءه في ذات نفسه .. فقد رزقه الله القدرة على الفعل فحرم ذاته باختيار طريق الراحة و الدعة و الإخلاد إلى الأرض ! .. يكون العاجز حاقدا على الكسول .. حزينا أنه لا يمتلك فرصته و يكون الكسول (أحيانا فقط) حاقدا على ذات نفسه لعجزها أن تكون بروح الأول و تحرقه .. لكن فرقا هنا بين الأول و الثاني ..العاجز هو متحرك ثابت !! أشبه بقانون نيوتن بأن الأجسام دائمة الحركة ! هو شخص يحاول فعل شيء لكنه لا يقدر و لو قدمت له الفرصة لفعل و أما الثاني فلن يتحرك إلا لو تغير في ذات نفسه .

بقي السؤال : إذا ما الحل ؟ ماذا على العاجز أن يفعل و ماذا على الكسول أن يفعل ؟
على العاجز أن يبحث في أسباب عجزه .. لم هو غير قادر على فعل ما يريد .. و أن يبحث عن حل كل سبب على حدة .. على العاجز أيضا أن يكون دائما جاهزا متأهبا بحلول قابلة للتطبيق حالما تأتي إليه الفرصة لفعل ما يريد و أن لا يتحجج بعجزه فيقف عاجزا "فعلا " حينما يصبح بإمكانه تقديم شيء ما !
من المهم على العاجز أن يتجاوز ثلاثية : لا أستطيع .. ماذا أفعل .. ما الفائدة ، هذه الثلاثية مدمرة للروح العاملة و لا تجلب لصاحبها سوى الانكفاء على الذات .
على العاجز أيضا أن يتقبل أحيانا فكرة عجزه فالإنسان ضعيف في تكوينه و لا يمتلك حلول العالم بيده حتى لو أراد ذلك ! إن هذا النوع من "طمأنة الذات" ربما يكون حيلة نفسية دفاعية لكنها حيلة بشرية و نحن بشر !
من المهم لمن يقف حائلا أمام العاجز في فعل ما يريد أن يحذر منه ! قد تبدوا جملة غريبة .. لكن العاجز الذي سيستطيع تجاوز أسباب عجزه في يوم ما قد تغريه شهوة الانتقام !

ماذا على الكسول أن يفعل ؟
ربما لا يمكننا طلب شيء ما من الكسول و إلا لكان تغير فعلا :) .. التغير في هؤلاء عادة يأتي من صدمة خارجية تحدث تغييرا على ذات الشخص فيتحول إلى شخص منتج .. حتى التغيير الذي يحدث نتيجة جلسة محاسبة مع النفس يكون عادة مصحوب بتلك الصدمة الخارجية .

و لكن الفكرة المهمة فعلا : ماذا لو استطاع "العاجز" المناسب إيجاد "الكسول" المناسب له ؟ :) سيستطيع كل منهما حين إذ إنجاز عمل مشترك فيقدم أحدهما قدرته و الآخر عمله و إنجازه .. لنبحث عن "العاجز" و "الكسول" إذا :)

الأربعاء، 1 أغسطس 2012

مفاهيم في الشرعية السياسية .. معناها .. إسقاطها .. و بناؤها ج١

مفاهيم في الشرعية السياسية .. معناها .. إسقاطها .. و بناؤها ج١
’’ لكي تحكم بنجاح عليك أن تفهم البشر و ما يرغبون فيه و ما يرغبون عنه في دواخلهم .. و كيما تضبط البشر من الداخل عليك أن تتخيلهم من الداخل أيضا ! ’’
يقوم النظام في سورية بلعبة توازنات و ايديولوجيات و مصالح معقدة و متشابكة و مستفيدة من ما يحدث على أرض الواقع بدقة شديدة .. هذا النوع من التعقيد يمنح النظام مصادر شرعية متعددة ليست وسيلته الوحيدة آلته الاستبدادية فقط ! ، "إن أي دعم لأي قضية يقوم على مصدر شرعية" .. حتى داعموا قضية الثورة هم يدعمونها من خلال مصادر شرعية معينة .. قد تمثل الضمير الإنساني لبعضهم أو معظمهم .. و قتال الظالمين للبعض الآخر .. و قتال العلويين أو الشيعة للبعض الآخر .. أو مصلحة متعينة أو أمل موعود، حينما تخبر شخصا على سبيل المثال ان هذه ليست ثورة لدفع الظلم و انما لايقاع ظلم شبيه على فئة أخرى فهنا سيفقد مصدر شرعيته بالنسبة لمن دعم الثورة لدفع الظلم و هكذا أيضا لو اقتنع شخص آخر أن هذه ثورة لبناء دولة علمانية على سبيل المثال لفقدت شرعيتها بالنسبة للإسلامي و لو كانت لبناء دولة إسلامية لفقدت شرعيتها بالنسبة للعلماني و هكذا ، المثال السابق بسيط في الواقع لأنه يذكر أن مصدر الشرعية واحد و ليس متعدد و متداخل كما هو فعلا حيث يستحيل تخيل نظام يقوم على مصدر واحد للشرعية ، بالعودة الى مصادر شرعية النظام "فتفكيك هذه المصادر يعني بالضرورة تفكيك القاعدة الشعبية المؤيدة المرتبطة بهذا النظام من خلال هذا المصدر" و هو لا يهدف إلى إنهاء حالة التأييد له حيث يبقى ذلك مستحيلا نظريا و تطبيقيا .. و انما خلخلته للمساعدة في إسقاطه أولا و تقليل التكلفة ثانيا و الاستعداد لمرحلة ما بعد اسقاط النظام ثالثا ، عموما فقد قامت الثورة و لله الحمد بتفكيك جزء لا بأس به من هذه المبادئ مما خلخل قاعدة النظام و زاد من قاعدتها الشعبية خلال عام و نصف من الثورة ، و لكن الكلام هنا تحليلي لطبيعة النظام بالدرجة الأولى مما قد لا يعني بالضرورة ظروف المرحلة .
ينبغي توضيح نقطة أخرى في هذا السياق حيث أن هناك ثلاث قواعد شعبية في كل ثورة : قاعدة شعبية مؤيدة للنظام .. قاعدة شعبية مؤيدة للثورة .. قاعدة شعبية تختار الحياد لأسباب شتى ، ينبغي هنا العمل على ثلاثة محاور :
١-توسيع القاعدة الشعبية المؤيدة للثورة .. ٢-تقليص القاعدة الشعبية المؤيدة للنظام .. ٣-تحويل القاعدة السلبية المحايدة إلى قاعدة إيجابية ، تبدو هنا مهمة النظام أسهل حيث يسعى إلى إبقاء حالة الحياد لغير مناصريه في حين يحرص الثوار دائما على العمل عليهم لنقلهم للخانة الإيجابية .
من هنا يتضح أيضا أن القاعدة الشعبية ليست ثابتة بل متغيرة فقد ينجح أحد طرفي الصراع بتفكيك جزء من تلك القاعدة و قد يبني مصدر شرعية جديد يمنحه قاعدة جديدة مرتبطة بذلك المصدر .
الثورة أصلا تعرف بأنها تحرك شعبي واسع خارج البنية الدستورية القائمة ، او خارج الشرعية ،يتمثل هدفه في تغيير نظام الحكم القائم في الدولة .. لذلك في الثورة يتم استبدال الشرعية القديمة القائمة بشرعية جديدة ، سقوط القديمة ضروري إذن في هذا التعريف بل ربما يبدو أقرب ما يكون للشرط . و محاكمة الثورة ضمن شرعية النظام القديم الذي قامت عليه الثورة بالأساس يبدو شيئا أقرب للامعقول .
الشرعية هنا سياسية و هي بحسب تعبير ماكس فيبر: ( قدرة السلطة السياسية على اكتساب الاعتراف بها و على النظر إليها بوصفها المعبرة عن المصالح الفورية و المباشرة أو البعيدة للجماعة ) .. إسقاط هذا الاعتراف و هذه النظرة يعني تلقائيا اسقاط الشرعية و يعني بالضرورة اسقاط النظام و اسقاط أحقية الدولة و المذكور في تعريف فيبر الشهير الآخر في كونها الوحيدة المخولة لاستخدام العنف .
يقول أمين معلوف : " الشرعية هي ما يتيح للشعوب و للأفراد أن يقبلوا دون مبالغة في الإكراه سلطة مؤسسة ما يجسدها أشخاص و تعتبر حاملة لقيم مشتركة .. بعض الشرعيات أكثر استقرارا من غيرها لكن ليس بينها واحدة غير قابلة للتبدل ، و يمكن لصاحبها أن يستزيد منها أو يخسر تبعا لحنكته أو للظروف ،،، بالاضافة الى ان بقاء الشرعية مرهون بنجاحاتها .. حينما تصبح شرعية ما إلى وقت لا تعود فيه قادرة على الفعل حينذاك يحل حكم محل آخر و تحل شرعية جديدة محل تلك التي أفل نجمها "
نعود لموضوعنا : بالمقارنة مثلا مع الجار العراقي صدام فإن الأخير لم يكن يتبع استراتيجية التوازن كما كان يفعل عدوه اللدود حافظ الأسد .. كان صدام يعتمد على المال الوفير الذي توفره عائدات النفط مدعوما بقوة تعسفية عند اللزوم بينما كان حافظ يسير أمور نظامه بتكتيكات غاية في الخبث و تنازلات متناوبة بشعار معروف بسياسته "أذعن قدر اللزوم ، و أصر قدر الإمكان" ! و يمكن تلخيص مصادر الشرعية للنظام السوري على النحو التالي : ...
على هذا الأساس التنظيري المبسط للشرعية سننهي الجزء الأول .. الجزء الثاني سيتحدث عن مصادر شرعية النظام في سوريا و عن وسائل تفكيك هذه الشرعية بشكل أكثر توسعا .. الجزء الثالث سيتحدث عن بناء الشرعية الجديدة في سوريا المستقبل و هو ربما ما سيكون الجزء الأكثر صعوبة ! كتابة و تطبيقا !.
١/٨/٢٠١٢